أقسم الله بالقلم، وعلّم به الإنسان ما لم يعلم، وتؤكد علوم الأعصاب اليوم أن الكتابة باليد تُشغّل الدماغ بصورة أوسع وأعمق من الضغط على الأزرار؛ إذ تتآزر اليد والعين والذاكرة والانتباه في فعل واحد.
وإذا كان هذا شأن الكتابة باليد عمومًا، فالخط العربي ذروتها. فهو ليس رسمًا للحروف فحسب، بل مدرسة في الصبر والدقة والتأمل؛ يتعلّم فيها الناشئ أن الحرف ميزان ونسبة، وأن الجمال ثمرة الإتقان لا العجلة. وقد ارتبط الخط في حضارتنا بكتابة المصحف وتزيين المساجد وحفظ العلم، فصار فنًّا يجمع بين الهوية والروح والجمال، حتى أُدرج على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.
ولهذا فإن تعليم الخط العربي للنشء ليس ترفًا فنيًا، بل استثمار في عقولهم وذائقتهم وانتمائهم؛ فهو يقوّي الذاكرة والتركيز، ويرسّخ صورة الحرف والكلمة، ويربّي الصبر والانضباط في زمن السرعة، ويصل الطفل بتراث أمته وجمال لغته، ويمنح ما يكتبه وقارًا ومسؤولية، فما يُخطّ بعناية لا يُكتب باستخفاف.
فلنحفظ القلم في أيدي أبنائنا، ولنعلّمهم أن يكتبوا بجمال، ليكتبوا بوعي. فالأمة التي تُحسن خطّ حروفها، تُحسن صون كلمتها.
﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾
المصدر: منشور د. حمد الكواري على منصة X
