حدَّثني قلبي — وما كذب الفؤادُ إذا حدَّث — عن همٍّ يعتلج في الصدر،
أن أستنجدَ بأهل البيانِ والبصيرة، وأُحيي من فنّ المقامةِ سيرة،
فقد عزمتُ أن أخاطبَ نخبةَ العطاء والإرشاد،
في بيتٍ جعله اللهُ منارةً للعلم، ومثابةً للرشاد،
ألا وهو مكتبةُ قطرَ الوطنية،
صرحُ المعارفِ والذخائر، ومغرسُ الحكمةِ والبصائر،
حيث تتعانقُ العقولُ كما تتعانقُ النجومُ..
فقلتُ في نفسي:
ما لي لا أستنصرُ بأبي زيدٍ السروجي، صاحبِ المقاماتِ والبدائع؟
فما لجأتُ إليه يومًا إلا وأجاب،
وليكن ذلك ديدني في الكتابةِ ومعيني في الخطابة،
فأبو زيدٍ إذا أنطقَ البيانُ تبسّم، وإذا كتبَ القلمُ ترنّم،
كما قالوا: البيانُ سحرٌ حلالٌ يفتنُ القلوبَ والأفهامَ.
فناديته نداءَ الملهوف وقلتُ له:
يا أبا زيدٍ، إليكَ ألجأ، وإليك ألتجئ.
فلقد هممتُ أن أُحيي في مكتبةِ قطرِ الوطنية مقامةً في العطاء والإرشاد،
أُسطّرُ بها أثرَ المرشدين والمرشدات،
الذين بذلوا من أوقاتهم عصارةَ تجاربهم،
وجعلوا من علمهم جسورًا للشباب نحو المستقبل.
فهل من نصرةٍ في الصوغ، ومعونةٍ في السبك،
كما كنتَ للحريريِّ صاحبَ الفضلِ والنَّسَب؟
فما إن انتهى النداءُ من لساني،
حتى أظلّت المكتبةَ نسمةٌ كأنها عبيرُ الورقِ العتيق،
وتجلّى أبو زيدٍ كأنما خرج من بطون الكتب،
قد اعتَمَّ بعمامة الأدب، وتوشّح برداءِ الحكمة،
وقال وهو يبتسم بين رفوف المعرفة:
لبّيكَ يا ابنَ الكَوّاري،
دعوتَنا إلى ساحةِ العلم فلبّينا،

واستنصرتنا في ميدان البلاغة فما توانينا.
هاتِ تجربتك في الإرشاد والعطاء،
لننسُجْ منها مقامةً تُسطَّر في صحائف الدهر،
فخرًا للمكتبة والوطن.
فقلتُ — وقد انفرجت نفسي كما تنفرجُ الأكمام عن الزهر —:
يا أبا زيد،
إنّا في رحاب مكتبةٍ أرادتها قيادتُنا الرشيدةُ منارةً للعلم،
وبيتًا للحكمة، وجسرًا بين تراث الأمس وآفاق الغد.
تحت سقفها تلتقي الأجيالُ وتتآلف اللغات،
ويعانق الورقُ الذكاءَ الرقميَّ والاصطناعيَّ معًا،
كأنها تقول: «أنا بيتُ الأمسِ واليومِ والغد».
فقال أبو زيدٍ مازحًا:
عجبتُ من زمانِكم يا ابنَ الكَوّاري،
صار الحاسوبُ يُجيب قبل أن يُسأل،
وصار الذكاءُ اصطناعيًّا بعد أن كان فطريًّا!
فقلت مبتسمًا:
هو ذاك يا أبا زيد،
غير أن العقولَ التي تُعلّمُ الآلةَ تبقى أثمنَ من الآلة،
فالذكاءُ الرقميُّ في مكتبتنا خادمٌ للعلم لا سيّدٌ عليه،
ومعينٌ ينيرُ طريق الباحثين لا بديلٌ عن العقول الراجحة.
ثم قلت:
وفي هذه المكتبة نشأ برنامجٌ كريمٌ سمّيناه «مرشدي»،
يؤازرنا فيه شركاؤنا من الجامعاتِ والمؤسسات،
وفي مقدمتهم مؤسسة قطر.
غايةُ البرنامج أن تمتد يدُ الخبرةِ إلى يد الشباب،
فيكون المرشدُ جسرًا، والمسترشدُ عبورًا إلى غدٍ أرحبَ وأوسع.
عندها اعتدلَ أبو زيدٍ في جلسته،
وفركَ كفًا بكفٍّ كأنّما يستحضرُ شياطين البيان، وقال:
يا أبا تميم، أحسنتَ وصف المكان والإنسان،
فزدني عن جوهر العطاء والإرشاد بيانًا،
لأسبك من حروفك قلادةً تليقُ بأهل الإحسان.

فقلتُ:
يا أبا زيد،
التطوعُ عندنا ليس وقتًا يُنفَق فحسب،
ولا جهدًا يُبذل ثم يُنسى،
بل هو قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، ورسالةٌ حضاريةٌ سامية،
هو تجسيدٌ لقوله تعالى:
﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾
و﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وأما الإرشادُ فهو سِلْسِلةُ النور بين الأجيال،
يغرسُ فيهم الثقة، ويعلّمهم التمييز قبل الاختيار،
ويذكّرهم بأن التخصص رسالة، والموهبة أمانة، والعمر رأس مال لا يُستدرَك.
فقال أبو زيدٍ:
هذا قولٌ لو نُقش على القلوب لانفتحت له أبوابها،
زدني عن أثر هذا الغرس في ثمر الشباب،
فإن المقامة لا تُحكم إلا بذكر الحصاد بعد الزرع،
كما لا يُعرف الفجر إلا بعد طول السهر.

فقلت:
يا أبا زيد،
لقد رأينا بأعيننا عجبًا من التحول في شبابنا،
يأتون حيارى بين المسالك، فيخرجون أكثر بصيرةً وأقوى يقينًا،
يتعلّمون في «مرشدي» كيف يفكّرون لا كيف يكرّرون،
ويكتسبون من المرشدين حكمة التجربة قبل الشهادة.
وها هو أحدُهم — وأشرتُ إلى فتى بين الرفوف —
رفع رأسه وقال:
« يا سيدي، قد كنتُ أجهلُ دربي، فصرتُ أعرف نفسي».

فالتفتُّ إلى أبي زيد وقلتُ:
أرأيت؟ تلك ثمرةُ الكلمة إذا سُقيت بالحكمة.
فقال أبو زيد وقد اغرورقت عيناه بدمعةٍ من نور:
رحم الله نبيَّنا محمدًا،
ما أنصف الشبابَ أحدٌ كما أنصفهم،
فقد أمسك بأيدي الفتيان فصيّرهم قادةً،
وجعل من الثقة مدرسةً، ومن الحوار رسالةً.
فقلتُ:
ولهذا فإن كل مرشدٍ عندنا امتدادٌ لروحٍ نبويةٍ عريقة،
روح الإصغاء والرعاية والثقة بقدرة الشباب على حمل الأمانة.
ثم قلتُ:
يا أبا زيد،
أود أن أوجّه كلمة شكرٍ تليقُ بأهل الفضلِ الذين بذلوا من أعمارهم نصيبًا لأجيالٍ بعدهم.
فقال وهو يتهلّل:
قل: أيها المرشدون الأجلاء،
يا من جعلتم من وقتكم صدقةً جارية،
ومن علمكم منارةً باقية،
أنتم صُنّاع الأمل وبناة الغد،
جلسةٌ منكم قد تغيّر مصير شاب،
وتوقظُ في صدره نبوغًا كامنًا كالجمر تحت الرماد.
ثم قال:
ولا تنسَ مخاطبة أبناء المستقبل.
فقلتُ:
يا أبنائي المسترشدين،
أنتم قلب «مرشدي» وروحه،
فاغتنموا الفرصة، واسألوا ولا تهابوا السؤال،
واستمعوا لنصح المرشدين،
فالدقائق معهم أثمنُ من السنين.
فالشباب كالغيث:
إن سُقي بالحكمة أثمر،
وإن تُرك للهواء ذوى وتبعثر.
ثم قلت:
يا صاحبي أبا زيد،
إن «مرشدي» ليس فعلاً عابرًا،
بل لبنةٌ من لبنات رؤية قطر الوطنية 2030،
يتطوع فيه أكثر من تسعين مرشدًا من شتى التخصصات،
كأن المكتبة خريطةُ قطر مصغّرة،
تلتقي فيها العقول كما يلتقي البحر بالصحراء.
فقال أبو زيد وهو يبتسم:
هكذا تكتملُ المقامة،
ولا بدّ لخاتمتها من حكمةٍ تُشرقُ نورًا.
فقلتُ — وقد خَشَع القلبُ ورقَّ البيان —:
يا أهل العطاء والإرشاد،
إن نجاح «مرشدي» فاتحةُ الطريق لا خاتمتُه،
نحلمُ بأن يعود المستفيدون مرشدين،
فيكتمل عقد العطاء، وتدور دائرة الخير،
ويزهر الوطن بأبنائه كما تزهر الروضة بعد المطر.
اللهم اجعل العطاء ديدنًا، والإرشاد سُنّة،
واحفظ قطر بلد العلم والإيمان،
وقيادتَها، وأدم عليها نعمة الأمان والعرفان.
فقال أبو زيد — وهو ينهض بين رفوف الكتب —:
قد أدّينا ما علينا من صوغ المعاني،
وبقي عليكم تجسيدها بالأعمال،
ليكون العطاء عنوانًا،
والإرشاد منهجًا،
والوطن أوفر حظًا وأبهى جمالًا.
ثم تلاشى طيفه بين صفحات المعارف،
وبقيت المقامة الكَوّارية في العطاء والإرشاد
هادةً أن الكلمة إذا اقترنت بالعمل،
كان لها في الأرض أثر،
وفي السماء ذكر،
وفي التاريخ مقام.

وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
التاريخ : 15 نوفمبر 2025
