عن القراءة والقيادة القطرية
في مكتبة قطر الوطنية
سلامُ اللهِ عليكم ورحمتُه وبركاته،
لأننا نحتفلُ اليومَ بمقاماتِ الحريري، رأيتُ أن أجعلَ حديثي على نهجِها ووزنِها، وروحِها ولونِها،
فاستدعيتُ أبا زيدٍ السروجيَّ، صاحبَ البيانِ البديعِ واللسانِ المنيع،
فوجدتُه — وإن فرّقَ بينَنا الزمانُ والمكانُ — حاضرًا بالحُجَّة، متجاوبًا بالفِكرة، ملهَمًا بالعبارةِ، موفَّقًا بالإشارة.
ناجيتُه فأنصتَ، واستنطقتُه فأنطقَ، وسألتُه أن يُلبِسَ حديثَ اليومِ ثوبَ مقاماته،
فابتسمَ وقال: “إن كنتَ في قطر، بلدِ الثقافةِ والكرم،
فقلْ مقامةً تليقُ بمقامِها، وتُشبهُ أهلَها،
واجعلها مقامةً كَوّاريةً، قائمةً على سيرتِها القطريةِ،
من حبٍّ للكتابِ، وشغفٍ بالقراءةِ، وإعلاءٍ لشأنِ المعرفة،
بدءًا بالمؤسِّسِ الأوّلِ الذي جعلَ العلمَ ركنًا في بناءِ الدولة،
واستمرارًا حتى يومِنا هذا في ظلِّ قيادةٍ تُجِلُّ الفكرَ وتكرمُ العلماء.”
فقلتُ — امتثالًا لوصيتِه، واستجابةً لوحيِ كلمتِه —:
⸻
حُكي — واللهُ أعلم — أنّ جمعًا من النابهينَ والناشئينَ في رحابِ مكتبةِ قطر الوطنيةِ اجتمعوا،
فأشرقتْ بهم القاعاتُ، وتألقتْ بالمصابيحِ الرُّفوفُ والمصنَّفاتُ،
كأنّ الحروفَ لآلئُ، والكتبَ أفلاكٌ تدورُ حولَ شمسِ المعرفةِ في انتظامٍ وازدهار،
وتضوعَ المكانُ بعبقِ الفكرِ المُصفّى، ونورِ العلمِ المُسجّى،
وأقسمَ اللهُ بالقلمِ وما يسطرون، فقال جلّ في علاه:
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾
فارتفعتِ الأقلامُ، واطمأنّتِ الأفهامُ، وتجلّى معنى الكلمةِ في أبهى المقامات.
وحين اكتملَ الجمعُ، نهضتُ فيهم مُكلَّمًا لا مُتكلِّمًا، وخطيبًا لا مُجرِّبًا،
أستنطقُ الحروفَ، وأستنهضُ الصفوفَ، وقلتُ:
أيُّها السامعونَ الأكارم، ويا طُلّابَ القيادةِ والعزائم،
إنّ القراءةَ لا تُورِثُ مالًا، ولكنّها تُورِثُ كمالًا،
ولا تُغني عن الطعامِ، ولكنّها تُغني عن الظلام،
فهي مفتاحُ البصيرةِ، ومصباحُ المسيرةِ المستنيرة،
من قرأَ أضاء، ومن أعرضَ أخطأَ الطريقَ والرجاء.
وما افتُتِحَ الوحيُ بأمرٍ أعظمَ من قولِ ربٍّ كريمٍ لعبدٍ مطيعٍ إذ قال:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
فكانت “اقرأ” أولَ نداءٍ للإنسانِ ليعرفَ ذاتَه، ويكتشفَ آياتِ ربِّه في الأرضِ والسماواتِ.
⸻
يا أبناءَ قطرَ المجيدة،
اعلموا أنّ القائدَ من قرأَ ففهم، وتفكَّرَ فحكم،
فجعلَ من الكلمةِ سلاحًا، ومن الفكرةِ جناحًا، ومن المعرفةِ جسرًا يعبرُ به من الحيرةِ إلى البصيرة.
ومن هجرَ القراءةَ ضلَّ عن النورِ، وتاهَ في الغرور،
كما قيلَ: «من عاشَ بالجهلِ ماتَ قبلَ أوانِه، ومن عاشَ بالعلمِ دامَ لهُ مجدُه وسلطانُه».
أيها الناس،
إنّ القيادةَ بلا قراءةٍ مركبٌ بلا شراع،
والرئاسةُ بلا فكرٍ ظلٌّ بلا شعاع،
والقوّةُ بلا معرفةٍ ريحٌ بلا اندفاع،
وأشرفُ القيادةِ ما كانتْ بالعدلِ متَّسقة، وبالعلمِ متألِّقة، وبالتواضعِ متحقِّقة،
هي أن تسودَ بالعقلِ لا بالعصا، وبالمعرفةِ لا بالمكابرة،
فالقائدُ القارئُ يرى بعينين: عينِ الحاضرِ وعينِ الغد،
فإذا نظرَ رأى، وإذا قرأَ اهتدى، وإذا حكمَ بعدلٍ سادَ وسعد.
⸻
ها نحنُ نحتفي في قطرَ — دارِ الحكمةِ ورفعِ الضيم —
بكتابٍ خالدٍ فريد، هو مقاماتُ الحريري،
سِفرٌ صاغَ البيانَ من ذهبِ البلاغةِ،
وأقامَ صرحَ اللغةِ على أركانِ الفصاحةِ والطرافةِ والإنافة،
فيه من المواعظِ ما يُضحكُ العاقلَ من دهاءٍ، ويُبكيه من وفاءٍ،
ومن الصورِ ما يُدهشُ السامعَ ويُرضيه،
وقد مضى على ميلادِه ألفٌ ومئةُ عامٍ،
وما زالَ نابضًا بالحياةِ، كأنَّه كُتبَ بالأمسِ على ورقِ الخلود.
⸻
فيا من تُصغونَ إلى الحرفِ بسمعِ القلبِ لا بسمعِ الأذن،
اعلموا أن قطرَ تقرأ لم تكن شعارًا بل منارًا،
ولم تكن مبادرةً بل حضارةً وفخارًا،
ولم تكن حملةً بل رسالةً واعتبارًا،
هي التي آمنت بأنّ الأمةَ القارئةَ هي الأمةُ القائدة،
وأنّ النهضةَ لا تُبنى بالحجارةِ فقط بل بالفِكرةِ أيضًا،
ولا تُشادُ بالجدرانِ بل بالإنسان،
من مكتبةٍ تُضيءُ طريقَ طفلٍ،
ومن كتابٍ يُنيرُ دربَ شابٍّ نحو مجدِ وطنٍ دائمٍ وخصيبٍ.
⸻
ومن فضلِ اللهِ على قطرَ أنْ أنعمَ عليها بقيادةٍ رشيدةٍ مؤمنةٍ،
منذ التأسيسِ وحتى اليوم،
سارت على نهجٍ مستقيمٍ، تُجلُّ القراءةَ، وتحترمُ الكتابَ،
وترفعُ من شأنِ العلماءِ والأدباء،
قادتْ بالرَّحمةِ لا بالقسوة، وبالحكمةِ لا بالهيمنة،
وجعلتْ من العلمِ سُلَّمًا، ومن المعرفةِ قِمَّةً، ومن الثقافةِ نِعمةً،
ونشرتِ النورَ في الدُّنا كما تُنثرُ النجومُ في الدُّجى،
وبذرتِ الوعيَ في العقولِ كما تُغرسُ النخلةُ في الثرى،
ونحنُ على هُداها سائرون، وبالمعرفةِ متسلّحون،
نستلهمُ من قيادتِنا الرؤيةَ، ومن كتابِ ربِّنا الهدايةَ، ومن تراثِنا الإلهامَ والعنايةَ.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
فالعلمُ رفعةٌ لا تُنالُ بالحظوظِ، بل تُنالُ بالجهودِ،
والقراءةُ سُلَّمٌ لا يصعدُهُ إلا الصابرونَ، ولا يثبتُ عليه إلا العارفونَ.
⸻
فيا شبابَ المستقبلِ المشرق،
اقرؤوا لتقودوا، لا لتتفاخروا،
واكتبوا لتُبدعوا، لا لتُكرِّروا،
واجعلوا من الكتابِ صديقًا لا يُمَلُّ،
ومن القلمِ سيفًا لا يُغْمَدُ،
فالكلمةُ الصادقةُ تبقى وإن فَنِيَ صاحبُها،
والفكرُ المخلصُ يخلُدُ وإن غابَ قائلُهُ.
سلامٌ على من جعلَ الثقافةَ رايةً، والقراءةَ غايةً، والقيادةَ وعيًا ومسؤوليةً،
وسلامٌ على قطرَ وهي تزرعُ في أبنائِها محبّةَ الكتابِ،
وتُعلِّمُهم أنَّ من قرأَ نهضَ، ومن قادَ بحكمةٍ فازَ، ومن كتبَ بإخلاصٍ خُلِّدَ في الناسِ أثرُه.
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
دعاءُ الأنبياءِ، وشعارُ الحكماءِ، وسرُّ الرقيِّ والعلياءِ،
والحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقلمِ، وجعلَ الكلمةَ أولَ النِّعَم،
وسلامٌ على من اتّخذَ المعرفةَ زادًا،
وجعلَ القراءةَ منارةً وقيادةً وارتقاءً،
فهذا ما أملته المقامةُ الكَوّاريةُ في رحابِ مكتبةٍ قطريةٍ حضاريةٍ،
تروي مجدَ القراءةِ والقيادةِ والعنايةِ بالمعرفةِ الساريةِ.
