مقامة سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية بمناسبة حفل مرور 75 عاما على انطلاق التقويم القطري والعد التنازلي لاطلاق الاصدار النوعي الجديد
ما قاله الفقير الى ربه الباري حمد بن عبدالعزيز الكواري عن التقويم القطري للشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري
حدَّث الراوي قال: لقيتُ بالدوحةِ شيخًا قد شابَ عارضاه، ولانَ عند ذكرِ الأوّلين نَجواه، وفي عينيهِ من بقايا الطفولةِ ضياه. فقلتُ: حدِّثني عن رجلٍ عرفتَه فما نسِيتَه، وعن أثرٍ لمستَه فما فارقتَه. فتنفَّسَ الصُّعَداء، ثم أَنشأ يقول :
دخلتُ المدرسةَ صغيرًا، لا أحملُ من الدنيا لوحًا ولا ذخيرة، إلا زادًا هيّأه لي أبي — رحمه الله — قبلَ المسيرة؛ فقد سبقَ بي المدارسَ إلى معلِّمٍ، ووقفَ بي عامًا على القرآنِ المُحكَم. فمن الذِّكرِ عرفتُ الحروف، ومن الحروفِ جاءتِ القراءة، ومن القراءةِ انفتحَ بابٌ ما أُغلقَ بعدُ ولا أُوصِد.

فما هي إلا أيامٌ في الصفِّ الأوّل، حتى لمحني مديرُ المدرسةِ أقرأُ فوقَ سنّي، وأخُطُّ فوقَ صفّي؛ فوقفَ عليَّ وقفةَ العارفِ بمواقعِ البَذر، البصيرِ بما يُخبِّئُه الغرسُ الصغيرُ من الثَّمَر. وكان ذلك الرجلُ فضيلةَ الشيخِ عبدِ اللهِ بنِ إبراهيمَ الأنصاريّ، رحمه الله.
قال الراوي: فقلتُ: ومَن الأنصاريُّ حتى تحفظَه العقود؟ فقال:
رجلٌ وُلد بالخورِ سنةَ أربعَ عشرةَ وتسعِمائةٍ وألف، ونشأ في حِجرِ أبيهِ قاضي الخورِ وشمالِ قطر؛ فحفِظَ القرآنَ وهو ابنُ ثِنتَي عشرة، وأخذ عن أبيهِ الأربعينَ النوويّةَ والرَّحبيّةَ في الفرائض، وقرأ الألفيّةَ فأتمَّها، وطلبَ الفقهَ فأحكمَه. ثم شدَّ الرَّحلَ إلى الأحساءِ قبل السادسةَ عشرة، فجالسَ شيوخَها وأخذ عنهم الحديثَ والتفسيرَ واللغة. ثم حجَّ في الرابعةِ والعشرين، فأقام بمكةَ خمسَ سنين؛ يطوفُ بالبيتِ ويطوفُ بحِلَقِ العلمِ في حرمِه، والتحقَ بالصولتيّةِ أوّلِ مدرسةٍ نظاميّةٍ في الجزيرة. ثم بلغَ صيتُه دارين، فأسّسَ بها مدرسةً صارت نظاميّةً معتمدة، حتى دعاهُ حاكمُ قطرَ الشيخُ عليُّ بنُ عبدِ اللهِ آلِ ثاني سنةَ ثلاثٍ وخمسين، فترك دارينَ وعاد.
فعادَ لا ليأخُذَ، بل ليُعطي؛ ولا ليَشغلَ مقعدًا، بل ليَبنيَ مقعدًا لمن يأتي بعده. أُسنِدَت إليه إدارةُ أوّلِ مدرسةٍ ابتدائيّةٍ في قطر — «صلاحُ الدين» — وأنشأ أوّلَ معهدٍ دينيٍّ سنةَ أربعٍ وخمسين، وشاركَ في وضعِ المناهجِ والإشرافِ عليها، وتبنّى قضيّةَ تعليمِ الفتاةِ ودافعَ عن حقِّها، في زمنٍ كان الدفاعُ فيه عن هذه الفكرةِ يحتاجُ عِلمًا وبصيرةً وشجاعة، حتى فُتِحَت مدارسُ البناتِ سنةَ خمسٍ وخمسين.
ثم امتدَّ عطاؤه إلى الشؤونِ الدينيةِ والقرى، وإلى إحياءِ التراثِ الإسلاميِّ سنةَ اثنتينِ وثمانين؛ فأسهمَ في ثلاثٍ وثلاثينَ طبعةً للمصحفِ الشريف، وفي طباعةِ ما يزيدُ على خمسٍ وستّينَ وثلاثِمائةِ كتابٍ وتحقيقِها، وأشرفَ على بناءِ ستٍّ وثلاثينَ مسجدًا في أقطارِ الأرض، وحوّلَ مكتبتَه التي بدأت في مجلسِه سنةَ خمسٍ وسبعينَ إلى مكتبةٍ عامّةٍ فيها أكثرُ من ثلاثةٍ وعشرينَ ألفَ عنوان. فكان ممّن إذا علِموا علَّموا، وإذا عرَفوا عرَّفوا، وإذا حمَلوا أمانةً جعلوا من أدائها أثرًا يبقى بعدَهم.
قال الراوي: فقلتُ: لقد أوفيتَ وأكثرت. فتبسّم وقال: وما ذكرتُ لكَ بعدُ أخفَّه محمَلًا، وأعظمَه في البيوتِ أثرًا.
أخذ الشيخُ علمَ الفلكِ عن أبيه، وجالسَ فيه أهلَ الاختصاص، ثم حملَ إرثَ والدِه فأتمَّ ما بدأ؛ فكان التقويمُ أوّلَ أمرِه نُسَخًا تُخَطُّ باليدِ من سنةِ إحدى وسبعينَ وثلاثِمائةٍ وألفٍ إلى أربعٍ وسبعين، ثم ظلَّ يُطوِّرُه بضعةً وثلاثينَ عامًا، حتى غدا أوسعَ تقاويمِ الخليجِ انتشارًا، وأرفعَها عند الناسِ اعتبارًا.
ومَن في قطرَ لا يعرفُ التقويمَ القطريّ؟ ضيفٌ لا يتخلّفُ عن موعده، يدخلُ البيوتَ والمكاتبَ والمساجد، ويستقرُّ على الجدرانِ في هدوء، وهو مع ذلك كثيرُ الكلام. ولم يكن عندنا مجرّدَ أرقامٍ تُخبرُ أيَّ يومٍ نحن، ومتى يُؤذَّنُ للصلاة، ومتى يُولَدُ الهلال؛ بل كنّا صغارًا ننتظرُ الصباح، لا لنقرأَ التاريخَ وحدَه، بل لننزِعَ ورقةَ الأمسِ ونقرأَ ما وراءها: فائدةً دينيّة، أو حكمةً بالغة، أو طُرفةً أدبيّة، أو قبَسًا من التراث. فيمضي اليوم، ولا تمضي ورقتُه حتى تتركَ في النفسِ شيئًا.
ورقةٌ تسقُط، ومعلومةٌ تبقى. وما أجملَ أن يكونَ للزمنِ وجهان: وجهٌ يحسُبُ العمر، ووجهٌ يُثريه. وهنالك — فيما أحسَب — عبقريّةُ الرجل: جعلَ من حسابِ الأيّامِ مناسبةً للمعرفة، ومن مرورِ الزمنِ طريقًا إلى العلم؛ فالناسُ ينزِعون الأوراقَ لأنّ الأيامَ تمضي، وهو أرادَ ألّا تمضيَ الأيامُ فارغة.
قال الراوي: ثم أطرقَ صاحبي طويلًا، وقال: كلّما استعدتُ صورتَه عدتُ إلى ذلك الطفلِ في الصفِّ الأول. ما كان مديرُ المدرسةِ يدري أنّ تلميذَه الصغيرَ سيقضي شطرَ عمرِه بين الكتابِ والثقافةِ والتعليم، وأنّه سيعودُ بعد هذه العقودِ ليكتُبَ عنه. وأنا كذلك لم أكن أدري. وتلك حيلةُ الزمنِ الجميلة: يُخفي عنّا في البداياتِ ما ستعنيهِ لنا النهايات.
فاليومَ لا أرى التقويمَ أوراقًا تحملُ أرقامًا، بل أراهُ شاهدًا على مرحلةٍ من تاريخِ قطر؛ مرحلةٍ كان فيها رجالٌ يبنون المؤسّساتِ في هدوء، ويغرِسون العلمَ دونَ ضجيج، ويتركون للآتينَ بعدَهم أن يكتشفوا مقدارَ ما صنعوا.
قال الراوي: فقلتُ: وأينَ الرجلُ اليوم؟ فسكتَ صاحبي هُنيهةً ثم قال: انتقلَ إلى دارِ الخلود، ومضى إلى ما قدَّم، وتركَ خلفَه ما لا يمضي.
قلتُ: أفانقطعَ الأثرُ بانقطاعِ الأجل؟ قال: لا واللهِ؛ فالعِلمُ إذا صحَّ مَغرِسُه أورَقَ بعد غارسِه. خلَّفَ الشيخُ ذرّيّةً تسلّحوا بالعلمِ والمعرفة، وحفِظوا التراثَ الذي حفِظَه، وقاموا على ما أقام؛ فما زالتِ المكتبةُ تفتحُ أبوابَها لطالبِ العلم، وما زالَ التقويمُ يدخلُ البيوتَ في موعدِه لا يتخلَّف، وما زالتِ المسيرةُ ماضيةً والعطاءُ متّصِلًا.
قلتُ: أوَما زالَ ورقًا يُعلَّقُ على الجدران؟ قال: بل خرجَ من الورقِ إلى الشاشة، ومن قطرَ إلى الخليجِ كلِّه؛ فصار تطبيقًا يخاطبُ أهلَ الخليج، يضمُّ خمسينَ مدينةً من مدنِه، لكلِّ مدينةٍ هويّتُها البصريّةُ المستقلّة. يُنبئُك باليومِ والتاريخِ ومواقيتِ الصلاة، ويبسُطُ لك من الثقافةِ الفلكيّةِ ألوانَها، ومن علمِ الأنواءِ مواسمَه وطوالعَه وبروجَه، ويُزوِّدُك بإمساكيّةِ رمضان، واتّجاهِ القبلة، والتقويمِ الدائم، وبكثيرٍ غيرها يكتشفُه المستخدمُ بنفسِه. فكأنّ ورقةَ الصباحِ التي كنّا ننزعُها صغارًا لم تسقُطْ قطّ، وإنّما انتقلت من الجدارِ إلى الكفّ.
قلتُ: فماذا نقولُ لهم؟ قال: نقولُ: شكرَ اللهُ لكم، وأحسنَ الثناءَ عليكم؛ فحِفظُ الإرثِ أمانةٌ ثانية، وهي أشقُّ من الأولى؛ لأنّ البناءَ يَشرُفُ بالإنشاء، والإرثُ يَشرُفُ بالوفاء.
رحِمَ اللهُ الشيخَ عبدَ اللهِ بنَ إبراهيمَ الأنصاريّ. عرفتُه وأنا طفلٌ مديرًا لمدرستي، وعرفتُه رجلًا من رجالِ قطرَ في الدينِ والعلمِ والإدارةِ والمجتمع، ثم عرفتُ مع مرورِ السنين أنّ بعضَ الرجالِ يُشبِهون التقويمَ الذي صنعوه:
تمضي الأيّام، ويبقى الأثر.
المقامات الكَوّارية السابقة
