لعلكم تذكرون أنني نشرت خلال الأيام الماضية على إنستغرام مجموعة من الصور للبحيرة والجبال والغيوم، وللضوء والظل وانعكاساتهما على صفحة الماء، وقد أثارت إعجاب كثير منكم، كما تساءل بعضكم: أين هذا المكان؟
إنها بحيرة تنغنسي في بافاريا، حيث قضيت أياماً جميلة، وجدت فيها أن الصورة، مهما بلغت من جمال، لا تستطيع أن تنقل كل ما في المكان.
هنا تلتقي البحيرة بالجبال والغابات والقرى البافارية الهادئة، في مشهد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، ثم تكتشف أن الطبيعة تعيد رسمه أمامك مرات ومرات خلال اليوم الواحد.
في الصباح تستيقظ البحيرة على ضوء هادئ، وتنعكس الجبال على صفحتها كأن الماء مرآة واسعة. وحين تشرق الشمس تتبدل الألوان وتزداد الخضرة وضوحاً، ثم تمر السحب فتتغير اللوحة كلها في دقائق. وإذا جاء المطر اكتسب المكان جمالاً آخر؛ أكثر هدوءاً وغموضاً.
كنت أراقب الظلال وهي تنتقل على سفوح الجبال، والغيوم وهي تقترب ثم تبتعد، وانعكاس البيوت والأشجار على الماء، فأشعر أنني أمام لوحة لا يفرغ الرسام من تعديلها.
ولهذا ربما بدت الصور التي نشرتها لمكان واحد، لكنها في الحقيقة كانت وجوهاً متعددة لجمال واحد؛ فالمكان نفسه يتغير مع تغير الساعة والضوء والسحاب والمطر.
وتلك إحدى فضائل السفر: ألا نكتفي برؤية المكان، بل أن نمنحه شيئاً من الوقت حتى يكشف لنا عن نفسه.
غادرت تجنسي، وبقي في الذاكرة ذلك اللقاء النادر بين الماء والجبل والضوء والظل؛ حيث لا تحتاج الطبيعة إلى كثير من الكلام، لأنها تتولى بنفسها رواية الحكاية









